الشيخ محمد السند
192
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
بعبأ نشر معارف مقامات أهل البيت عليهم السلام يعتبر في الحقيقة نشاطاً سياسياً معارضاً للسلطات ولا محالة ينجرّ بعد ذلك إلى تحرّك السلطة الأموية والعباسية ضدّ هذا التيار ولمواجهة هذه الثقافة التي تخلق أزمة الشرعية عنهم . ولا محالة مواجهة هذا الفكر لابدّ أن يكون بأدوات فكرية قبل أن يكون بأدوات سياسية وأمنيّة وإن كانت السلطات الأموية والعباسية قد استخدمت كل الأدوات ، ولكن في البدء استعملت في المواجهة أدوات من النمط ا لأوّل وهو الطعن بالغلوّ والانحراف والتكفير والتفسيق نظير الحكم بالردّة على الكثير من مانعي الزكاة للخليفة الأوّل والمصرّين على لزوم تولية مقام الخلافة لعلي بن أبي طالب عليه السلام . فإنّ عصا التكفير والرمي بالبدع والغلوّ لم يكن أمراً مستبعداً من المستولين على الخلافة الإسلاميّة في مواجهة القواعد العديدة من جماهير المسلمين الداعية إلى مناصرة أهل البيت عليهم السلام ، لا سيّما ذلك التيّار الفكري الذي يدعو إلى تبيان البراهين والدلائل والبيّنات على حصر الشرعية في الإمامة والخلافة لأهل البيت عليهم السلام وذلك عبر بيان نعوتهم وتفسير مقاماتهم بحسب نصوص القرآن ومتواتر السنّة النبويّة وتأويلها بعمق يبيّن الحكمة والعلّة في كون الإمامة والخلافة ضرورةً بالنصّ الإلهي والجعل الربّاني وأنّها كمقام النبوّة والرسالة من جهة أنّها منصب إلهي وإن اختلفت عنها في السنخ والنوع ، وهذا ممّا يصعّد القدرة الفكرية على مواجهة بني أمية وبني العباس بصورة أكفأ وأقوى من البنية الفكرية من أصحاب التيّار الكلامي الجدلي البحت . فإنّ أصحاب التيار الكلامي وإن كانت لهم إسهامات مهمّة في مواجهة السلطة الأموية والعباسية والدفاع عن منهاج أهل البيت عليهم السلام ، إلّاأنّ هذه المواجهة لم تخل من إرباك بسبب تجنيد السلطة الأموية والعباسية تيّاراً كلاميّاً مضادّاً قام بتخوية المعاني وتسييب حدود المعاني وتمطيط الموازين الفكرية وإيجاد الكثير من اللغط الجدلي الذي يعتّم على كثير من الأذهان رؤية الحقيقة ، وهذا بخلاف